أبي منصور الماتريدي
294
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مما يتقى ويحذر ؛ لذلك كان ما ذكرنا - واللّه أعلم - لأنه لو اجتهد عن فعل السهو والنسيان سلم عنه ، فجائز أن يسأل السلامة عنهما ، إذ بالجهد يسلم عنه ، وبالغفلة يقع فيه . والثالث : ما ذكرنا : أن النسيان هو الترك ، والخطأ هو ارتكاب المنهى ، والتارك لأمر اللّه ، والمرتكب لنهيه يستوجب العقاب عليه . واللّه أعلم . فيصبح الدعاء على ذلك ؛ لئلا يلحقهم العذاب بترك ذلك الأمر وارتكابه المنهى . فإن قيل : ما معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » ؟ « 1 » قيل : إنما جاء هذا في الكفر خاصة ، لا في غيره ؛ وذلك أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام ، يجرى على ألسنتهم الكفر على النسيان والخطأ ، وكذلك كانوا يكرهون على الكفر فيجرون على ألسنتهم الكفر مخافة القتل ، فأخبرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أن ذلك مرفوعا عنهم . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - : وبعد فإن في الخبر العفو ، فيكون في ذلك دليل جواز الأخذ ، ولعل الوعد بالعفو مقرونا بشرط الدعاء ؛ فلذلك يدعون . وذكر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا بهذا ، فأجيب إلا أن يؤمر أحد أن يدعو ابتداء . واللّه أعلم . وأما قوله تعالى : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [ آل عمران : 194 ] ، ففيه وجهان : أحدهما : أنه وعد الرسل والمؤمنين جملة الجنة . فسؤال كل منهم أن يجعله من تلك الجملة التي وعدهم الجنة . والثاني : يسأل الختم على ما به يستوجب الموعود . وأما الأمر بالاستغفار : فهو يخرج على وجهين : أحدهما : ما روى : « المؤذن يغفر له مد صوته » ، فهو على استيجاب أولئك المغفرة به ؛ فعلى ذلك استغفاره ، ليغفر به بعض أمته . والثاني : أن المغفرة في اللغة هي التغطية والستر ؛ فكأنه يسأل الستر عليه بعد التجاوز عنه . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - : ثم الأصل أن الاستغفار هو طلب المغفرة ، فلو كان لا يجوز له التعذيب ، فيكون التعذيب [ جورا ] ، فيصير السؤال في التحقيق سؤال ألا يجور ، وذلك مما لا يسع المحنة . وكذلك لو كان مغفورا له ، كان الحق فيه الشكر لما أنعم عليه ، وفي ذلك كتمان النعمة ، والمحنة بكتمان نعم اللّه وكفرانها محال ؛ لذلك لا
--> ( 1 ) تقدم .